مؤسسة آل البيت ( ع )

112

مجلة تراثنا

ولا أظن أن هناك فقيها لا يبيح الجمع في أول الوقت في مثل تلك الأحوال ، وإن أوجبوا التأخير حينئذ فإن ذلك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون ، ومن خرج عن الكتاب والسنة رد إليها راغما . ومما يرشدك أيضا إلى أن الجمع المذكور في تلك الأحاديث هو الجمع الحقيقي بإتيان إحدى الصلاتين في وقت الأخرى تقديما أو تأخيرا : ما فهمه بعض أهل العلم - ممن رد حديث ابن عباس في الجمع كما سيأتي في كلام الترمذي - من معنى الجمع في الحديث ، فلو كان المراد به الجمع الصوري لما كان وجه لرد الحديث ، لأن جوازه مفروغ منه ، لكنما رده ذلك البعض لمخالفة مدلوله لمذهبه ، لكون الجمع الحقيقي هو المتبادر منه هنا . وبالجملة : فإنه يتعين حمل الجمع في الحضر - المذكور في أحاديث الباب - على ما فهموه من جمع السفر والموطنين عرفة والمزدلفة ، أعني الجمع الحقيقي دون الصوري ، لأنه المنسبق منه إلى الذهن عند الاطلاق - بلا قرينة - ولعدم الصارف عن ذلك - كما تقدم بيانه آنفا - . وحيث أسفر لك الحق إسفار الصبح لذي عينين بأن جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة لم يكن لعذر من الأعذار البتة ، خلافا لما يزعمه العامة ، نصرة لمذهبهم ، وتقليدا لأئمتهم ، وتعصبا بغير حق . فكتاب الله تعالى وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أحق أن يتبعا ، وأحرى أن يقتفيا ، إذ كل يؤخذ من قوله ويرد حاشا من عصمه الله تعالى . هذا ، وقد ذهب جماعة من الأئمة والفقهاء من أهل السنة والجماعة وغيرهم إلى ما ذهب إليه أصحابنا الإمامية - أعلى الله كلمتهم - من جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر مطلقا فضلا عن السفر ، انقيادا للدليل وبخوعا للحجة ، إلا أن بعضهم اشترط فيه عدم اتخاذه خلقا وعادة ! ! قال شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني في ( فتح